جلال الدين السيوطي

32

الإتقان في علوم القرآن

وقال في موضع آخر : ما جاء بعد السبكي مثلي . الناس يدعون اجتهادا واحدا وأنا أدعي ثلاثا . إلى غير ذلك . وقال ابن حجر الهيتمي : لما ادعى الجلال ذلك قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحدة « 1 » ، وكتبوا له سؤالا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى ، فليتكلّم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين ، فردّ السؤال من غير كتابة ، واعتذر بأن له اشتغالا يمنعه من النظر في ذلك . وقال الشمس الرملي عن والده أبي العباس الرملي إنه وقف على ثمانية عشر سؤالا فقهية سئل عنه الجلال من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم متأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلّا جاهل أو فاسق . قال الشمس : فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه ، فقلت : سبحان اللّه رجل ادعى الاجتهاد وخفي عليه ذلك ؟ فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام متين من كلام متين ، وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة « 2 » . فكان السيوطي قليلا ما يناظر أقرانه من العلماء ، وذلك لا دعائه أنه لا يوجد من في مرتبته من العلم والاجتهاد المطلق في عصره حتى يناظره . وقال عن نفسه : لا أناظر إلّا من هو مجتهد مثلي وليس في العصر مجتهدا إلّا أنا . وقد ذكر في بعض كتبه أمثال هذه العبارات منها : كتاب مسلك الحنفا ، وحسن المحاضرة ، فقد قال في مسلك الحنفا « 3 » : إني بحمد اللّه قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول وسائر الآلات من العربية والمعاني والبيان وغير ذلك . فأنا أعرف كيف أتكلم ، وكيف أقول ، وكيف استدل ، وكيف أرجح ، أم أنت يا أخي وفقني اللّه وإياك فلا يصلح لك ذلك لأنك لا تدري الفقه ولا الأصول ولا شيء من الآلات والكلام في الحديث والاستدلال به ، وليس بالهين ولا يحل الإقدام على التكلّم فيه لمن لم يجمع هذه العلوم ، فاقتصر على ما آتاك اللّه ، وهو أنك إذا سئلت عن حديث تقول : ورد أو لم يرد ، وصححه الحفاظ أو حسّنوه أو ضعفوه ، لا يحل لك الإفتاء سوى هذا القدر وخل ما عدا ذلك لأهله : لا تحسب المجد تمرا أنت آكله * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ومن المسائل الأخرى التي نوزع فيها غير الاجتهاد دعواه تجديده الدين في المائة التاسعة

--> ( 1 ) انظر كذلك ، ما ذكره ابن عبد البر في كتابه ( جامع بيان العلم وفضله ) . ( 2 ) فيض القدير 1 / 12 . ( 3 ) مطبوع في الهند .